خدمات واعمال

لماذا من المحتمل أن تكون قوة الدولار الأمريكي متوقعة على المدى الطويل؟

كان الدولار في اتجاه صعودي منذ أن أدى التدخل العسكري الروسي إلى ضخ حالة جديدة من عدم اليقين في الأسواق التي تم تدميرها بالفعل بسبب جائحة كوفيد 19 ومتحوراتها، وشهدت تلك البيئة الاستثمارية المتقلبة هروب المستثمرين إلى الملاذ الآمن للدولار، بينما تأثر وضع اليورو بسبب قربه من دائرة الصراع وانخفض الين الياباني بسبب السياسة النقدية اليابانية المتساهلة التي تتناقض مع السياسة النقدية الأمريكية.

يسيطر الدولار حاليا على سوق تجارة العملات حيث يتداول مؤشر الدولار وهو مقياس لقوة الدولار مقابل سلة من العملات المنافسة بما في ذلك اليورو والين والجنيه الإسترليني، يقف حاليًا عند أعلى مستوى له منذ مارس 2020، وهو المستوى الذي سجله عقب اندلاع أزمة جائحة كوفيد 19.

هل يمكن أن ينهار الدولار؟

ولكن على الرغم من مكانته باعتباره العملة الاحتياطية الأكثر ثقة في العالم منذ السبعينيات، فقد أشار المحللون إلى نقاط الضعف المحتملة للدولار (رغم كونها معقدة لكنها ليست سلبية دائمًا) والتي تتمثل في العجز التجاري الهائل للولايات المتحدة والعجز المتزايد في الحساب الجاري واحتمالية حدود ركود اقتصادي للولايات المتحدة، هذا إلى جانب المنافسة من العملات الاحتياطية مثل اليورو واليوان وحتى العملات المشفرة على المدى الطويل.


يقول أحد المحللين أن الأداء المتفوق لسوق الأسهم الأمريكية الذي يعتمد على هيمنة شركات التكنولوجيا التابعة لها كان ركيزة أساسية في هيمنة الدولار، حيث كان المحرك الأكبر الوحيد للدولار الأمريكي على مدى العشر سنوات الماضية هو الأداء المتفوق لأسهم التكنولوجيا، وتابع قائلًا “إذا انهار الدولار في يوم من الأيام، من المرجح أن الذي ستقوده هي أسهم شركات التكنولوجيا”.


وقد لا نشهد انفجار فقاعة تقنية كما حدث في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما انخفض الدولار آخر مرة، لكن التراجع الحالي لأسهم شركات التكنولوجيا بسبب وضعها كأسهم نمو تجعلها جذابة لإمكانات تحقيق أرباح مستقبلية متصورة بدلاً من الأسهم ذات القيمة الأكثر استقرارًا والتي تدفع بانتظام، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسة في دول العالم، التي قد تعمل على اعادة التفكير في الاستثمار في أصول النمو.


على الرغم من ذلك، فإن الحديث أيضًا عن انهيار الدولار “سابق لأوانه”، فمؤشر الدولار يتداول عند أعلى مستوى له في عامين ويستمر في الارتفاع، تعمل مشكلة التضخم على زيادة قوة الدولار وذلك من خلال التوقعات المتزايدة بمزيد من رفع سعر الفائدة التي سيتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي القيام بها هذا العام.


يرتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة بأسرع وتيرة منذ عام 1981 وبلغ 8.5 % في مارس، في تقرير حديث قال محللو دويتشه بنك إنهم رأوا “بشكل متحفظ” أن معدل الأموال الفيدرالية يتحرك جيدًا في نطاق 5% إلى 6 % ويتوقعون ركودًا في أواخر العام المقبل، يقدر نموذج احتمالية الركود الخاص بلومبرج إيكونوميكس أن هناك فرصة بنسبة 44 % للركود قبل يناير 2024.


يقول أحد خبراء السوق إن ضعف أسواق الأسهم والوضع الجيوسياسي مع أوكرانيا يعني أن الدولار الأمريكي هو ملاذ آمن ويمكن القول إنه أكثر من الذهب، لذلك، على الرغم من أنه قد يكون مفرطًا بعض الشيء على المدى القصير، إلا أن أي انخفاضات لا تزال تبدو وكأنها فرص شراء وليس انهيارًا.

سياسة نقدية أكثر تشددًا

وأضاف أن “وجهة نظري السابقة أن الدولار الأمريكي سوف يتراجع مع نهاية هذا العام حيث يتطلع السوق إلى تباطؤ نمو الولايات المتحدة في عام 2023، ولكن مع زيادة المخاوف بشأن عمليات الإغلاق في الصين والزيادة الناتجة في النفور من المخاطرة تزيد من احتمالات ارتفاع الدولار لفترة أطول”.


إن ضعف الدولار الأمريكي خلال معظم عام 2020 جاء نتيجة السياسات التخفيفة الضخمة للظروف النقدية من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي في المرحلة المبكرة من الوباء، وقد أدى هذا إلى زيادة الرغبة في المخاطرة، على النقيض من ذلك، من المتوقع أن يقوم البنك الاحتياطي الفيدرالي بتشديد سياسته النقدية بقوة هذا العام مما قد يبالغ في طلب الملاذ الآمن على الدولار الأمريكي.


ويرى المحللون استمرار قوة الدولار حيث قالوا أنه “مع استمرار الأصول الخطرة في إظهار عدم الاستقرار، وبعد أن أصدرت الأسواق الآن دعوة قناعة بشأن دورة التضييق العنيفة للبنك الاحتياطي الفيدرالي، من المحتمل أن يكون الدولار قد وجد أرضية جديدة”.


وقالوا إنه بينما من المرجح أن تظل العملات ذات المخاطر العالية ضعيفة، لا يزال بإمكان زوج اليورو / الدولار الأمريكي الاقتراب من أقل من مستوى 1.05 دولار، وهو أدنى مستوى خلال خمس سنوات بالنسبة للعملة المركزية الأوروبية.
مفهوم “الأصول الآمنة” ستواجه تحديات كبيرة
ويعتقد كثير من المحللين أن العقوبات المالية المفروضة على روسيا أدت إلى تآكل هيمنة الدولار مؤقتًا، لكن لم يتم الطعن في وضعها كأصل احتياطي آمن في العالم.


بينما يجادل آخرين بأن الأزمة الأوكرانية أدت إلى أزمة “ضمانات السلع الأساسية” التي تتحول بسرعة إلى أزمة سيولة، وبالتالي ستفقد العملة الاحتياطية العالمية “الدولار الأمريكي” معظم نفوذها العالمي، مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم في جميع أنحاء العالم الغربي.
وقالوا إن فرض عقوبات على روسيا وطردها من النظام المالي الغربي يمكن أن يثير تساؤلات حول الأصول الخالية من المخاطر التي تدعم الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي، وليس فقط الدولارات والأوراق المالية المدعومة من الحكومة الأمريكية.

تنويع أصول الدولار الأمريكي

وأشاروا إلى أن بعض الدول سارعوا في الرد منذ أن أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها عزمهم تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي من النقد الأجنبي، الأمر الذي قد يسرع عملية الابتعاد عن النظام المالي الدولي القائم على الدولار، من السهل معرفة السبب وهو أن البنوك المركزية في الدول الأخري قد يشعروا بالقلق الآن من أن احتياطياتهم من العملات الأجنبية ليست آمنة كما اعتقد من قبل، وتبدأ في تنويع احتياطياتها من الدولار.


ومع ذلك، على الرغم من الدعوات المتكررة على مدى العقود القليلة الماضية لإنهاء النظام المالي الدولي القائم على الدولار، لا يزال الدولار هو العملة الاحتياطية الرائدة في العالم وأصل الملاذ الآمن السائد، وميزته على العملات الأخرى على مدار العشرين عامًا الماضية قد تتراجع قليلا.

هل ستكون العقوبات على الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي الروسي نقطة تحول؟

إن استعداد السلطات الأمريكية لتجميد الودائع والأوراق المالية التي من المفترض أن تكون سائلة وآمنة ويمكن الوصول إليها في بلد أجنبي قد تسبب بلا شك في العديد من المشكلات لمديري احتياطيات النقد الأجنبي وصناديق الثروة السيادية وحتى بعض المستثمرين من القطاع الخاص.


في الوقت نفسه، لا تتصرف الولايات المتحدة بمفردها، فقد انضمت أوروبا وكندا والمملكة المتحدة واليابان إلى تجميد الأصول الاحتياطية للبنك المركزي، إذن هناك سؤال مشروع آخر للمستثمرين وهو: هل من الممكن لأي سلطة أجنبية تجميد الأصول؟


إذا كانت الإجابة بنعم، فقد يثير ذلك تساؤلات حول فكرة “الأصول الخالية من المخاطر”، هذا الأصل هو الدعم العام للاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي، وليس فقط الدولار والأوراق المالية المدعومة من الحكومة الأمريكية.

الاتجاهات طويلة المدى: عالم متعدد الأقطاب

قد تكون الأحداث الأخيرة حافزًا للانتقال إلى “عالم متعدد الأقطاب”، والذي يتمثل في تنويع احتياطيات النقد الأجنبي، في حين أن “العد التنازلي للموت” للدولار قد بدأ، يعتقد البعض أن وضع الدولار باعتباره الأصول الاحتياطية الأكثر أمانًا في العالم لا يزال بلا منازع، ومن المرجح أن يظل العملة العالمية المهيمنة في المستقبل المنظور، وإن كان بمستويات أقل قليلاً من ذي قبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *